أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
14
العقد الفريد
قال : إني صائم . فأتى عليه ، ثم قال : ويلك يا شمردل ! ما عندك شيء تطعمني ؟ قال : بلى واللّه ، عندي خمس دجاجات هنديات كأنهنّ رئلان « 1 » النعام . قال : فأتيته بهن ، فكأن يأخذ برجلي الدجاجة فيلقى عظامها نقية ، حتى أتى عليهن ؛ ثم قال : يا شمردل ، ما عندك شيء تطعمني ؟ قلت : بلى واللَّه ، إن عندي حريرة « 2 » كأنها قراضة الذهب . فقال : عجل بها . فأتيته بعسّ يشيب فيه الرأس ، فجعل يلاقيها بيده ويشرب ؛ فلما فرغ تجشّأ ، فكأنما صاح في جب ، ثم قال : يا غلام ، أفرغت من غذائي ؟ قال : نعم قال : وما هو ؟ قال : ثمانون قدرا . قال : ائتني بها قدرا قدرا . قال : فأكثر ما أكل من كل قدر ثلاث لقم ، وأقلّ ما أكل لقمة ؛ ثم مسح يده واستلقى على فراشه ، ثم أذن للناس ووضعت المائدة وقعد فأكل مع الناس ، فما أنكرت من أكله شيئا . نهم مزرد وقال الأصمعي : كنت يوما عند هارون الرشيد ، فقدمت إليه فالوذجة ، فقال : يا أصمعي ، قلت : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : حدثني بحديث مزرّد أخي الشماخ . قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، إن مزردا كان رجلا جشعا نهما ، وكانت أمه تؤثر عيالها بالزاد عليه ؛ وكان ذلك مما يضرّ به ويحفظه ؛ فذهبت يوما في بعض حقوق أهلها ، وخلفت مزردا في بيتها ورحلها ، فدخل الخيمة ، فأخذ صاعين من دقيق ، وصاعا من عجوة ، وصاعا من سمن ؛ فضرب بعضه ببعض فأكله ، ثم أنشأ يقول : ولما مضت أمّي تزور عيالها * أغرت على العكم الذي كان يمنع « 3 » خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة * إلى صاع سمن فوقه يتريّع ودبّلت أمثال الأثافي كأنها * رؤوس رخال قطّعت لا تجمّع « 4 » وقلت لبطني : أبشر اليوم إنه * حمى أمّنا مما تفيد وتجمع
--> ( 1 ) الرئلان : جمع رأل ، وهو فرخ النعام . ( 2 ) حريرة : دقيق يطبخ بلبن أو دسم . ( 3 ) العكم : ما شد به المتاع وربط . ( 4 ) دبل اللقمة تدبيلا : كبرها . والرخال : جمع رخل ، وهي الأنثى من ولد الضأن .